الغزالي

75

المستصفى

بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب ، ويمكن أن يقال سبب وجوب الايمان والمعرفة الأدلة المنصوبة ، وسبب وجوب الحج البيت دون الاستطاعة ، ولما كان البيت واحدا لم يجب الحج إلا مرة واحدة ، والايمان معرفة ، فإذا حصلت دامت ، والامر فيه قريب . هذا قسم العبادات ، وأما قسم الغرامات والكفارات والعقوبات ، فلا تخفى أسبابها ، وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والابضاع وحرمتها أيضا أسباب ظاهرة من نكاح وبيع وطلاق وغيره ، وهذا ظاهر ، وإنما المقصود أن نصب الأسباب أسبابا للأحكام أيضا ، حكم من الشرع ، فلله تعالى في الزاني حكمان . أحدهما : وجوب الحد عليه . والثاني : نصب الزنا سببا للوجوب في حقه ، لان الزنا لا يوجب الرجم لذاته وعينه ، بخلاف العلل العقلية ، وإنما صار موجبا بجعل الشرع إياه موجبا ، فهو نوع من الحكم ، فلذلك أوردناه في هذا القطب ، ولذلك يجوز تعليله ، ونقول : نصب الزنا علة للرجم . والسرقة علة للقطع لكذا وكذا ، فاللواط في معناه فينتصب أيضا سببا ، والنباش في معنى السارق ، وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب القياس . وأعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء ، وأصل اشتقاقه من الطريق ، ومن الحبل الذي به ينزح الماء من البئر وحده ما يحصل الشئ عنده لا به ، فإن الوصول بالسير لا بالطريق ، ولكن لا بد من الطريق ، ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل ، ولكن لا بد من الحبل ، فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع ، وأطلقوه على أربعة أوجه : الوجه الأول وهو أقربها إلى المستعار منه ما يطلق في مقابلة المباشرة ، إذ يقال : إن حافر البئر مع المردي فيه صاحب سبب ، والمردي صاحب علة ، فإن الهلاك بالتردية لكن عند وجود البئر ، فما يحصل الهلاك عنده لا به يسمى سببا . الثاني : تسميتهم الرمي سببا للقتل ، من حيث أنه سبب للعلة ، وهو على التحقيق علة العلة ، ولكن لما حصل الموت لا بالرمي بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم إلا به . الثالث : تسميتهم ذات العلة مع تخلف وصفها سببا ، كقولهم : الكفارة تجب باليمين دون الحنث ، فاليمين هو السبب ، وملك النصاب هو سبب الزكاة دون الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه ، ويقابلون هذا بالمحل والشرط فيقولون : ملك النصاب سبب والحول شرط . الرابع : تسميتهم الموجب سببا ، فيكون السبب بمعنى العلة ، وهذا أبعد الوجوه عن وضع اللسان : فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به ، ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية ، لأنها لا توجب الحكم لذاتها ، بل بإيجاب الله تعالى ، ولنصبه هذه الأسباب علامات لاظهار الحكم ، فالعلل الشرعية في معنى العلامات المظهرة ، فشابهت ما يحصل الحكم عنده . الفصل الثاني : في وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد إعلم أن هذا يطلق في العبادات تارة وفي العقود أخرى ، وإطلاقه في العبادات مختلف فيه ، فالصحيح عند المتكلمين عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لم يجب ، وعند الفقهاء عبارة عما أجزأ وأسقط الفضاء ، حتى أن صلاة من ظن أن متطهر صحيحة في اصطلاح المتكلمين ، لأنه وافق الامر المتوجه عليه في الحال ، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد ، فلا يشتق منه اسم الصحة ، وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء ، لأنها غير مجزئة ، وكذلك من قطع صلاته بإنقاذ